فوزي آل سيف

68

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

نويرة اليربوعي[146]أو أبي ذر الغفاري أو عمار بن ياسر أو من يشبههم، غرضه هو الدلالة على سلامة منهجهم في الحياة إذا اختلطت المناهج، وصحة انتمائهم إذا تعددت الاتجاهات. وهذا ما لم يفهمه بعض من (وضع) الأحاديث واصطنعها على لسان النبي في مدح أشخاص لا ميزة لهم في انتمائهم، ولا صحة في منهجهم! بل لقد زاد الأمر سوءا في عدم الفهم عندما تصوروا أن دخول الجنة مرتبط بأمور بسيطة، مثل ما نقلوه عن النبي من غير فهم ـ ولعله سائد إلى الآن ـ من أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من بشر بخروج آذار فله الجنة، بمعنى أن أي شخص يخبر أحدا عن خروج شهر آذار[147] يدخل الجنة.. فهذا سذاجة في الفهم، حين تكون الجنة رخيصة إلى هذا المقدار، وإنما الصحيح هو أن النبي جعل ذلك علامة على كون أبي ذر الغفاري من أهل الجنة[148]، وقد تكرر منه ذلك، لأجل أن يتعرف المسلمون في زمانه وزماننا على المنهج الصحيح الذي كان عليه أبو ذر وهو ولاية أمير المؤمنين وخلاف أعدائه.. فقد روى الصدوق في كتابه معاني الأخبار في باب معنى قوله صلى الله عليه وآله: مَن بشّرني بخروج آذار فله الجنّة، بإسناده المتّصل بابن عبّاس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم في مسجد قبا وعنده نفر من أصحابه فقال: أول مَن يدخل عليكم الساعة رجل من أهل الجنّة، فلمّا سمعوا ذلك قام نفر منهم فخرجوا وكلّ واحد منهم يحبّ أن يعود ليكون أول داخل فيستوجب الجنّة، فعلم النبي صلى الله عليه وآله ذلك منهم، فقال مخاطبا لمن بقي عنده من أصحابه: إنّه سيدخل عليكم جماعة يستبقون (يتسابقون) فمن بشّرني بخروج آذار فله الجنّة، فعاد القوم ودخلوا ومعهم أبو ذرّ رضي الله عنه فقال لهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله: في أيّ شهر نحن من الشهور الروميّة؟ فقال أبو ذرّ: قد خرج آذار يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله: قد علمتُ ذلك يا أبا ذرّ، ولكنّي أحببتُ أن يعلم قومي أنّك رجل من أهل الجنّة، وكيف لا يكون ذلك وأنت المطرود عن حرمي من بعدي؛ لمحبّتك لأهل بيتي، فتعيش وحدك وتموت وحدك، ويسعد بك قوم يتولّون تجهيزك ودفنك، اُولئك رفقائي في جنّة الخلد التي وعد المتّقون". وكما كان ما سبق علامة في تعيين الخط العام للإنسان في الحياة، فقد استعملت هذه الطريقة ايضا للدلالة على التوصيات الأخلاقية ونمط الحياة القيمية، وأشار النبي ـ مع فرض صدور الحديث عنه ـ إلى أن هذا النمط الأخلاقي مطلوب ومرغوب وأنه يوصل إلى الجنة، وهو ما نقل[149]عن أَنَس بن مَالِكٍ أنه قال: " كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وَسَلَّمَ فَقَالَ: (يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أيضًا فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ ألّا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَلَمْ يَرَهُ

--> 146 مالك بن نويرة اليربوعي التميمي: نقل أن النبي صلى الله عليه وآله قال فيه: بعدما أسلم وأخذ معالم الدين من النبي: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. وقد استعمله النبي على صدقات قومه، واختص بعلي عليه السلام واعترض على خلافة أبي بكر، وقد حمل زكاة قومه للنبي وحين وصل المدينة كان النبي قد توفي لتوه، وتولى أبو بكر الخلافة فلم يقبل بتسليمه الزكاة حيث عرف أن خليفة النبي الحق هو الامام علي، فأعادها لقومه لكي يتصرفوا فيها كما يريدون، وكان من نتيجة ذلك أن غزي من قبل جيش الخلافة بقيادة خالد بن الوليد، وقتل هو وقومه، وتزوج خالد زوجة مالك في نفس ذلك اليوم! ولتفصيل قضيته يراجع كتاب الغدير 7/ 158 للعلامة الأميني، وكذلك كتابنا: رجال حول أهل البيت. 147 آذار هو الشهر الثالث من شهور السنة الميلادية حسب الأسماء السريانية المستعملة في المشرق العربي ويقابل في التقويم الغربي مارس (march) 148 ) الصدوق؛ محمد بن علي بن بابويه: معاني الأخبار 1/ 205 149 الهيثمي؛ الحافظ علي بن أبي بكر:مجمع الزوائد 8/ 79